الشيخ الطوسي

248

التبيان في تفسير القرآن

وقوله ( لا يسمعون فيها لغوا ) أي لا يسمعون في الجنة كلاما لا فائدة فيه ( ولا كذابا ) أي ولا تكذيب بعضهم لبعض . ومن قرأ ( كذابا ) بالتخفيف أراد مصدر كاذبه مكاذبة ، وكذابا قال الشاعر : فصدقتني وكذبتني * والمرء ينفعه كذابه ( 1 ) وقال الفراء : قال اعرابي في طريق مكة : يا رب القصار أحب إليك أم الحلق يريد أقصر شعري أم احلق . وقوله ( جزاء من ربك عطاء حسابا ) أي فعلنا بالمؤمنين المتقين ما فعلنا جزاء على تصديقهم بالله ونبيه ، فالجزاء إعطاء المستحق بعمل الطاعة أو المعصية . وقوله ( عطاء حسابا ) أي بحساب العمل كل إنسان على قدر عمله من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين ، ثم سائر أخيار المؤمنين ، وعند الله المزيد . وقيل : معناه عطاء كافيا من قولهم : أعطاني ما أحسبني أي كفاني ، وحسبك أي اكتف ، وحسبي الله أي كفاني الله . وقال الحسن : معناه إنه أعطاهم ذلك محاسبة . وقوله ( رب السماوات والأرض ) من رفع استأنف الكلام وجعله مبتدأ . وقوله ( الرحمن ) خبره ، ومن جره رده على قوله ( من ربك ) رب السماوات ، وجعل ( الرحمن ) جرا بأنه نعته . ومن رفع الرحمن وجر الأول قطعه عن الأول وتقديره : هو الرحمن . والمعنى إن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو الله رب السماوات والأرض ومديرهما ، ومدبر ما بينهما ، والمصرف لهما على ما يريده ( لا يملكون منه خطابا ) ومعناه لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه ، كما قال ( لا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ( 2 ) وفي ذلك أتم التحذير من الاتكال . والخطاب توجيه الكلام إلى مدرك بصيغة مبينة كاشفة عن المراد بخلاف صيغة الغائب عن الادراك

--> ( 1 ) مر في 8 / 390 و 9 / 425 ( 2 ) سورة 21 الأنبياء آية 28 .